عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
234
اللباب في علوم الكتاب
والثاني : قال الأصمّ « 1 » : إنّ المراد : فرضنا عليكم الوصيّة في حال الصّحّة بأن تقولوا : « إذا حضرنا الموت ، فافعلوا كذا » . فصل في المراد بالخير في الآية المراد بالخير هنا المال ؛ كقوله : وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [ البقرة : 272 ] وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [ العاديات : 8 ] مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [ القصص : 24 ] قال أبو العبّاس المقرئ : وقد ورد لفظ « الخير » في القرآن بإزاء ثمانية معان : الأوّل : الخير : المال ؛ كهذه الآية . الثاني : الإيمان ؛ قال تعالى : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ [ الأنفال : 23 ] أي : إيمانا ، وقوله إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً [ الأنفال : 70 ] ، يعني : إيمانا . الثالث : الخير الفضل ؛ ومنه قوله : « خَيْرُ الرَّازِقِينَ » * « خَيْرُ الرَّاحِمِينَ » * « خَيْرُ الْحاكِمِينَ » . * الرابع : الخير : العافية ؛ قال تعالى : وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ [ يونس : 107 ] ، أي : بعافية . الخامس : الثّواب قال تعالى : وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ [ الحج : 36 ] ، أي : ثواب وأجر . السادس : الخير : الطّعام ؛ قال : إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [ القصص : 24 ] . السابع : الخير : الظّفر والغنيمة ؛ قال تعالى : وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً [ الأحزاب : 25 ] . الثامن : الخير : الخيل ؛ قال تعالى : أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي [ ص : 32 ] ، يعني : الخيل . ثم اختلفوا هنا على قولين : فقال الزهريّ « 2 » : لا فرق بين القليل ، والكثير ، فالوصيّة واجبة في الكلّ ؛ لأن المال القليل خير ؛ لقوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 - 8 ] إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [ القصص : 24 ] والخير : ما ينتفع به ، والمال القليل كذلك ، وأيضا : قوله تعالى في المواريث : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ [ النساء : 7 ] فتكون الوصية كذلك .
--> ( 1 ) ينظر : التفسير الرازي 5 / 51 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 51 .